عن عُمان .. عن
المصطلحات .. عن الكتاب .. عن الفهم
عن كل شيء وعن لا
شيء ..
أنين عُماني جدا
يحاول أن يفهمَ ما يحدث ..
إلى الأخ العزيز سعيد الريامي:
أهلا بكم يا أصدقاء.
قد اعتدتُ وتعمَّدت الإشراف على
تعليقات المدوَّنة مرتين في اليوم إذ لا أسمح لكلِّ التعليقات بالمرور بسببِ
تجاوزِ بعضها السياسة التحريرية التي أتبعها في هذه المدوَّنة، ومع تكراري مئات
المرَّات أن ما أكتبُه هُنا يقبلُ النقد إلا أن كثيرين جداً لا يكتبون من باب
[النصح ــ الإفادة ــ إظهار الخطأ] وإنما ينطلقون في صفات وتوصيفات على شاكلة [تو
انته موه دراك ــ خليك في الهذونة أحسن لك ــ ياخي اختصر ما فينا بارض أقرأ] ومثل
هذه التعليقات التي سأحزِمها في رُبْطَة واحدة في مقالٍ آخر لها رد مختلف.
&&&
اضطررت للحفاظ على هذه الخاصيَّة بسبب
بعض التعليقات النادَّة التي تزعجني جداً، أعني في نهاية المَطاف أنا أكتب في
موقعي، وأقول كلاما يحق لي قولَه ــ أو هكذا يظهر لي ــ يمكن لأي إنسان أن يقول لي
أن كلامي [خطأ ــ سيء ــ مضر ــ نافع ــ غير دقيق ــ غير علمي ــ شخصي ــ انفعالي
ــ متناقض] هذه أشياء مطروحة، ولكن أن يقحمَ لي من قحمَ بكلمات مثل [مريض نفسيا ــ
باحث عن الشهرة ــ بغام ــ ملحد ــ شواذ العقل ــ عدو للدين] هذه ليست آراء، وإنما
هذه [مسبَّات] لا أجد نفسي نفسياً قادراً على تحمِّل من يلقونَها من وراء حجاب
بمعرفات [غير معرَّفة].
&&&
في هذا المقال أتحدث عن المعلقين على
المدوَّنة الذين هم على شاكلة سعيد الريامي الذي وضعَ تعليقين جَميلين جداً في
مقالٍ كتبتُه عن سيف الرحبي وما يفعله الآخرون محاولين إخراجهم من سياقِه كشاعر
ورئيس تحرير مجلَّة إلى معارض سياسي ثقافي يتحدَّث علناً بما يقولُ الآخرون في
صدورِهم أو في السرير مع زوجاتِهم أو في الحانة مع أصدقائهم، أو في المنتديات
بأسماء مستعارة وقيسوا على ذلك.
أذكر سعيد الريامي لأنَّه هو الذي قدحَ
الفكرة في رأسي، وليس هو المعلِّق المفضَّل في هذه المدوَّنة، بل هُناك أسماء
جَميلة مثل الباحث، وسمائلية جداً، وأخرى لم تقلْ اسمَها غضبت منِّي عندما ذكرتُ
في مقالٍ من المقالات شيئا عن الأحلام الجنسية، ومعلقون لا يتركون أسماءهم يقولون
كلاما رائعا أجده يوضح لي أشياء لم أكن منتبها إليها، وربما يعيد تصويب بعض
الأفكار والانطلاقات التي أنطُّ منها إلى حقائق لا ينبغي منِّي إطلاقِها دون تفكير
وتمحيص وتحليل وقليلٍ من البحث والنبش هُنا وهُناك، على أية حال ما دمت الآن قلتُ
لكم [أريد أن أفهم] فعليَّ أن أجد منهجاً جيِّدا للفهم وكذلك أن أكون [مفهوماً]
وواضحاً للقراء، أعني هذا ما ألزم به نفسي وسأجتهد أن أحافظ على هذا الالتزام حتى
أفهمَ أكثر كيف يمكنني أن أفهمَ أكثر؟؟ ههه هل فهمتم ما أريد إيصالَه؟؟ اللعنة أجد
صعوبة في التعبير دون سرد طويل.
&&&
صديقُنا سعيد الريامي انسلَّ من أصابعه
تعليقين مرَّ عبر لوحة المفاتيح إلى خلايا دماغي الرمادية منبها إياي إلى نقطة
مهمَّة للغاية، وهي ضرورة استخدام المصطلحات المتعارف عليها. إليكم ما يقوله
صديقنا سعيد:
التعليق الأوَّل:
سعيد الريامي يقول...
هذا ما نسميه في علم النفس التحليلي
"Projection" ... "الإسقاط"، بالإضافة إلى شيء من
"Inferiority
Complex" ... عقدة نقص .
أنصحك بالجلوس إلى سيف والتعرف إليه عن قرب
...
"Confrontation" ... "مواجهة" عندها فقط تتلاشى الهالة وتنفك
العقدة.
التعليق الثاني:
سعيد الريامي يقول...
أخي معاوية:
"الواحدية" - مصطلحك الرشيق - أقرب
إلى كلمة "القطيع" ، وسياسيا إلى مصطلح الشمولية ..
"Totalitarianism" وبالتالي إلى الدكتاتورية منه إلى "الفردية" ..
"Individualism"
الذي هو أقرب إلى التعددية في لغة أهل السياسة . ألا ترى أن ما ذكرت عن طبيعة
علاقة الآخرين بسيف يكرس الشمولية التي ربما اختار سيف أن لا يكون رمزا من رموزها.
أنا شخصيا لا أعرف سيف الرحبي ، لكن "الهالة" تلفت انتباهي ..فأقول :
قصائدنا بلا لون ..
بلا طعم .. بلا صوت
إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت .
وإن لم يفهم البسطاء معناها
فأواى أن نذريها
ونخلد نحن للصمت .
أعني يمكنني مثلا استخدام الكلمات التي
تنتهي بملحق [لوجيا] كتسهيل لما أقصد، ولكنني لست جيِّدا في [اللوجيات] إضافة إلى
أن اللوجيات قد لا تصفُ تماماً ما يحدث في عُمان، أعني نحتاج إلى كلمة بديلة،
وبصدق لا أقول هذا الكلام عن ادعاء للفهم ولكن أحياناً لا أجد ما يصفُ عُمان أو
حالات عُمانية من المصطلحات العامَّة، أعني هي لبوس للمعاني تبدو لي ضيقة أو
مهلهلة أو غير ذلك من الاستعارات المجسَّدة التي تتعب الرأس والدماغ وتهيسهما
مادياً ومعنوياً.
مصطلح [الواحدية] يصفه سعيد بالرشاقة،
ارتأى استخدام كلمة [التولتارتترةتتروةي] وهذه كلمة أصلا ما أعرف أكتبها J
..
ليست هذه القضية [Totalitarianism] وإنما هل التولتارية [إن كانت تكتب
هكذا] تصف ما يفعله عمانيون كثر بسيف الرحبي وأحمد الخليل وطبعا رؤوس المنظومات
السياسية في عُمان.
ما هو الشيء الذي يصف هذا الميل أو النزعة
النفسية الداخلية إلى اتخاذ [واحد] يكون هو حجر الزاوية الذي ينطلق منه كلُّ شيء؟
أعني في السياسة لدينا السلطان وكثيرون يجعلونه [الواحد] في كلِّ شيء، لا أقول
طبعا أن جلالته لا يستحق أن يكون حجر زاوية لأنَّه رجل أثبتَ قدرته للعالم
وعبقريته للتاريخ، ولكن نسق التفكير الذي ينهجه البعض أن السلطان وطريقة تفكيرِه
بل حتَّى طريقة لبسِه وكلامِه هي [الأصح] مطلقاً، وعندما يتعارض رأي مع رأي قالَه
جلالتَه في حديث رسمي أو غير رسمي فإنّ الرأي الآخر تلقائيا مخطئي وربما يكون
عدوَّا، مع أن جلالة السلطان كصانع قرار في عُمان يخضع المراسيم لمراجعات دائمة،
وترى مرسوما بإلغاء مرسوم سابق، أو إعادة النظر في أوامر معيَّنة، أعني جلالته كأي
قائد في التاريخ يراجع نفسَه دائما ولا يتسلَّط بالرأي، وهذا ربما يجعل متخذي
[الواحدية] المصطلح الذي لا أجد بديلا لها في حالة [لخبطة] أعني قال جلالته بالأمس
تعلموا ولو تحت ظلِّ شجر، ويقول جلالته اليوم أن التعليم مهم وتوفير الوسائل
التعليمية مهم للعملية التعليمية والخ الخ، تراهم يتلخبطون، جلالته قال تلكم
الكلمة في سياق، ويقول رأي آخر في زمن جديد وفي سياق مختلف وفق معطيات مختلفة.
يبدو لي ولستُ متأكداً من ذلك أن
المنظومات الثلاث المتعارف عليها عالميا لم تتكون في وقتٍ واحد فبينما يقود ويدير
منظومة المؤسسة الدينية إلى حدٍ ما أحمد بن حمد الخليلي الموظف في الدولة بمرسوم
سلطاني بوظيفة [مفتٍ عام] ويقود منظومة السياسة ــ طبعاً ــ جلالة السلطان ــ تأتي
منظومة الثقافة والكتابة بلا قائد، والغريب أن يعتبرَ البعض وجود [قائد] أو رأس
للقطيع أو القبيلة أو الفئة [حسب الصفة النفسية التي تنعكس منه على الوصف] أمراً
مهماً، وعندما يعيَّن الرأس الواحد يهاجم.
في حالة سيف لم ينصب نفسَه قائدا للثقافة في
عُمان، ولم يقل أنا المثقف الأعلى وأنا أكبركم وأنجحكم وأشهركم، الرجال مسكين جلس
في بيتهم وكتب ونجح وأنشأ علاقات وصلات ذكية جداً مع العالم دون أن يخسر نفسَه
أمامَها وسافرَ خارج عُمان عندما استطاع الفلات ورأى كل شيء قد يكون آخرون منتزقون
لرؤيته، يكتبُ كنوع من العزاء لنفسه لهذا الشقاء الوجودي المروِّع كما تقول
كتاباتُه دائما. ولكنني لا أجد كلمة قائد قطيع ملائمة لوصفِه، يمكنني أن أقول
فردانية ولكن أيضاً لا تتناسب. أعني ثمة حاجة نفسية تنعكس على الأقليات التي تتخذ
مهنة أو شكلا من أشكال التعبير انتماءً هامشيا لهم بعد انتمائهم الكلي أو قبل.
ماذا يعني حاجة نفسية منعكسة على أشكال التعبير التي يتخذونها انتماء هامشيا؟؟
يعني أحدهم يقول أنا مسلم ثمَّ أباضي ثمَّ
عُماني ثم سالمي [أو أي قبيلة] ثمُّ كاتب،
ثمَّ موظف مثلا في وزارة البلديات وأخيرا أشياء مثل أب أو زوج.
ترتيب الأوليات للمرء يختلف من إنسان
لآخر، وقد يختلف حتى في الإنسان الواحد من الصباح للمساء. ولكن في نهاية المطاف في
حالة الكتَّاب كلمة [كاتب] لها ترتيب معيَّن، هل الكتابة فوق كونِه زوجاً مثلا؟ هل
فوق كونِها موظفاً؟ أما أنا موظف وزوج وابن لأمٍّ مريض ثمَّ كاتب، هذه تختلف من
إنسان لآخر وفي حالة العُمانيين من الصعب الجزم لتداخل هذه المنظومات بشكل غريب
جدا، في البيت الواحد تجد ترتيب الانتماءات كما يلى:
الأب: أنا عميد في جهاز الأمن ثمَّ عُماني
ــ ثمَّ [قبيلتي] ــ ثمَّ مسلم ــ ثمَّ أب ــ ثمَّ صديق لأصدقائي ــ ثمَّ زوج ــ
ثمَّ قارئ للشعر.
الابن في العشرين: أنا عاشق ــ ثمَّ
طالب ــ ثمَّ صديق ثمَّ مسلم ثمَّ ابن.
البنت: أنا طالبة ــ ثم ابنة ــ ثم
مسلمة ــ ثم كاتبة مبتدئة ــ ثمَّ قارئة كسولة ــ ثمَّ الخ
&&&
هذا الكلام ينطبق على الإنسان في كلِّ
مكان، ترتيب الأولويات. في حالة مقال سيف الرحبي لم يكن سيف سوى تكئة لهذه الفكرة،
كان استخداما أو تطبيقاً على هذه الفكرة غير المكتملة والتي أهداني سعيد الريامي
المصباح الأوَّل للخوض في أغوارِها ودهاليزها المظلمة.
هل للوضع السياسي والجغرافي والقَبلي
والإسلامي دورٌ في هذا السلوك، أعني انظروا كيفَ يتناحر العُمانيون الوقت الحالي.
تناحر 1:
القبائل تتنافس في نيل رضى المنظومة السياسية
ساحقةً في طريقِها مئات البشر وضاربة في عرض الحائط مفاهيم مهمة مثل [تقنين القانون
ــ محاربة الفساد والمحسوبية] كلُّ ذلك معاد ترسيخه من قبل المنظومة السياسية
نفسها، والقبيلة تنطلقُ من مكاسب شخصية ونزعات من أجل إبقاء السلطة والاستفادة من
أموال الشعب، وهذا أمر مطروح ومعروف وأخذ حقه نقاشا ونقداً، ومع أنني جزئياً أجد
أن فكرة القبلية هي وسيلة تنظيمية هامشية تستغلها الدولة لصالحِها، إلا أنني أمقت
آثارَها الجانبية المقرفة وهذا ما يجعلني لا أستبشر بها كثيراً. على أية حال هذه
وجهة نظر شخصية تتونة جدا قد لا تؤثر على صلب الموضوع.
تناحر 2:
الفئات تتناحر، الدينيون يريدون السلطة
لأنهم يتحدثون باسم رب العالمين، الوطنيون والموالون للدولة يريدونَها لأنهم
يتحدثون باسم حاجة المجتمع وحاجة الدولة للظهور في المجتمع الدولي وإرضاء السلطان،
والكل يتحدث باسم هذا المجتمع المسكين الذي كلَّ يوم يمر يبني أسوارً أكبر على
نفسِه نائياً ومبتعداً عن الشرور محاولاً تربية أبناءه وصونِهم عن الفساد كما
يعرِّفونَه.
سيقول قائل ذلك جزء من الانتخاب
الطبيعي وينظر للأمر بنظرة فوقية شاملة، أقول له أحترم ذلك ولكن القضية هُنا ليست
فهم هذا التناحر وإنما محاولة الخروج بطريقة ملائمة تكفل الخير للعُمانيين مهما
كانوا، أعني هذا هدفنا كلُّنا؟ ربما للبعض مصالح شخصية هذا أكيد ولا شكَّ في ذلك
ولكن متى ما كان الموضوع الشخصي مقابل الموضوع العام صغيراً فإننا بخير حتى لو
نسبياً، وهذا أيضا رأس صغير للغاية.
نأتي للتناحر الأخير:
جَماعة المثقفين في عُمان ــ وقد سئمت
الكتابة في هذا الموضوع ــ كجماعة الإعلام كجماعة الدينيين، كجماعة السياسيين.
كلهم يحسبُ أنَّه يفهم ما تريدُه عُمان، وما يريده المجتمع في عُمان، وبينما
المجتمع في هلع وقروض وتعب ويكتب في السبلة طلباً من الدولة تغطية القروض الشخصية
يأتيك أحدهم بدستور للبلاد، أو يقول لك [بالغصب عنك أنت لست بخير] كما يقول صديقي
العزيز أبو سلمى. المثقفون أيضا ينطلقون من التناحر نفسِه، هم يرون أنهم على صواب
لأنه أمسكوا بناصية اللغة ويحسبون أن
مقاربة الفهم التي لديهم هي الأنسب والأصوب، طبعاً يساعدهم في طرحهم غلو الدينيين
تكفيراً وتعسيراً، وكذلك وجود ملاحظات على الفساد في الدولة أو إخلال بالوعود أو
إساءة في الخدمات المقدَّمة. والكتَّاب لهم ميزة خادعة وخطيرة، مهما كان الكاتب
غير دارٍ بالذي يكتبُ عنه فإنَّ قدرتَه على تحوير النص وإخراجِه بصورة تبيِّن
للقارئ أنَّه [نص متعوب عليه] وهو في حقيقته ناتج عن ثرثرات متعاقبة [كما هو هذا
المقال] أو تلطيشات كلام من هُنا وهناك، أو نقاش في منتدى إلكتروني يتحوَّل فجأة
إلى فكرة عريضة بعدما كانت تدوينة إلكترونية [مثلا مثلا .. ليس بالضرورة هذا ما
حدث]، عندما يفسد الكتَّاب ويكتبون كلاماً في حقيقته خارجاً عن أزمات شخصية، أو محاولات
انتقام، أو تسديد ديون قديمة أو قول لرأس سابق [تراني كبرت] عندما يفعلون ذلك نفقد
أيضا الثقة بهم.
هذا ما أذهبُ إليه وقد أكون مخطئا،
وربما عليَّ أن أتصل بسيف الرحبي وأقول له [آسف اتخذت تكئة] إذ لم يكن هو داقَّا
في رأسي عندما كتبت المقال عنه، الفكرة التي تشغلني وأريد فهمَها بصدق عن سبب هذه
الحشْرة من قبل الكتاب. أعني من الذي بصدق استطاع فهمَ هذه البلاد؟ ربما أقول أكثر
الجهات التي تعرف ما تفعله وتعرف كيف أيضا تجعل المجتمع وحاجاتِه ورغباتِه جزءاً
من أدوات القوَّة في البقاء والتأثير هي الأجهزة الأمنية، لا لأنها تراقب كل شيء
ولكن لأنها تملك سلطة الأرقام والحقائق، تعرف كما عمانياً سنيا في وزارة النقل،
وتعرف كم إباضياً يعمل سائقاً في بي دي أو، وتعرف كم شخصاً عليه ملاحظات أمنية
يتقدم لطلب هجرة سنوياً، هذه الأجهزة ــ التي تقوم بعمل لا بأس به ــ أخذت هذه
المهمة من القوَّة أو المنظومة السياسية لهدفٍ ما لا أجد في نفسي القدرة على
فهمِه.
الآن في المنتديات الإلكترونية يتلايعُ
المثقفون بمطالبات غريبة:
المثقف أ: أنت تكتب كلاماً لا يناسب
الناس.
المثقف ب: ياخي هاتِ لي إحصائيات الذين
يختلفون معي ويؤكدون كلامَك.
المثقف أ: ما عندي إحصائيات، ولكن هل
لديك أنت إحصاء كم عدد الذين يتفقون معك؟
المثقف ب: أنت الذي طرحت الموضوع، أنا
ما عندي إحصائيات أنا بس أكتب وأشوف ردات الفعل.
وهلمَّ جرا تتكرر الحكاية في توالٍ
أبديٍّ مؤلمٍ للغاية يجعلنا نخسر كلَّ يوم مشاريع كتَّاب رائعين كان يمكنهم أن
يكتبوا لشباب مثلنا ويشرحوا لنا ما يحدثُ في عُمان، وبينما نخسرُ هؤلاء الكتِّاب
بسبب [ لا أعرفه] وتراهم يتناحرون ويتبادلون الاتهامات والكل يقزِّم الآخر حاقد
عليه يحتقره يعتبره غبياً، أو تراهم يتنافسون ويعتبرون أن فهمَهم هو الأعم
والأصلح:
كاتب المنتديات: يحتقر كتاب القصة
لأنهم يكتبون كلاما فاضيا لا يهم المجتمع.
كتاب القصة: يحتقر كاتب المنتديات لأنه
يكتب كلاماً غير خالد خلود نصوصِه.
المدوِّن: يقارع الاثنين ويقول لهما
أنا الصوت الجديد الذي سوف يكسحكما.
كاتب المقالات: النت بلا مهنية وهي
فوضى بحاجة إلى تنظيم.
يا إلهي !! اللهم سترك يا رب العالمين.
كل هؤلاء كتَّاب، يمكنني أن أقف وأتفجَّع عليهم من الفجر إلى العصر. عوضاً عن
اختلافِهم في قضايا جوهرية واستنادِهم على قضاياهم الجوهرية يتقاتلون من أجل الوصول
إلى [أنسب وسائل التعبير] وداخل الوسيلة نفسها يختلفون أيضا:
المنتدياتيون:
المشرف: أنا مسؤول عمَّا أكتب.
عضو يحب الحكومة: أنتم ما فيكم أدب
لماذا تشتمون الحكومة.
عضو يكره الحكومة: الحكومة زفت في زفت.
عضو يريد أن يكون محايدا: خلوكم هاديين
شباب.
عضو لا يريد أن يكون محايداً: فلان على
صواب كليا، أما فلان فهو عميل للحكومة.
المدونون:
مدون اجتماعي: ياخي دولة عُمان لا تفهم
بمنظور قانوني.
مدون حقوق: ياخي دولة عُمان لا تفهم
بمنظور اجتماعي
مدون ساخر: ياخي الاجتماعيين
والقانونيين ما عندهم شغل السخرية خير مخترق للعقول العُمانية وخير جالب للقراء.
مدون أديب: أنا أريد أن أنشر في النت
لأنشرَ في النت.
كتاب المقالات:
كاتب مدَّاح: الكل يعرف أنني أمدح
الحكومة ببلاهة وأنا كاتب كاذب ولست حقيقاً ولكن ما عليَّ من الناس ما دمت أستفيد.
كاتب مهاجم: اللعنة على حرية التعبير،
لا أستطيع كتابة ما أريد في الجريدة.
كاتب أديب: أريد أن أنشر في الجرائد
لأنني أريد أن أنشر في الجرائد.
&&&
يمكنني أن أقف حتى غدا صباحاً وأدخل في
تفصيل التفصيل لأوصلَ الفكرة، حتى إن دخلنا في شكل التعبير الواحد مثلا [الشعراء]
ذوي النسق اللغوي الخاص والذوات المترهلة والنرجسية المزعجة [وهذا موضوع سأكتبه
لاحقاً] يتقاتلون على أشكالِهم ويطلقونِها على عمومِها في عُمان. وإن تتبعتَ
الموجودين في عُمان وجدتَ واحداً في كلِّ مكان، واحداً نصَّب نفسَه أو لم ينصِّب
قائداً.
يا إلهي الفكرة تأخذني الآن إلى مكانٍ
آخر، دعوني أتبعها معكم الآن. حسنا ها قد أخذتنا إلى مكانٍ آخر، وهي أن هذه طبيعية
جينية، أو فطرة في الإنسان. ما الذي يجعل الكتاب في عُمان بهذا السوء؟ ما الذي
يجعل الكتابة بهذا التراجع؟ ما الذي يجعل من نعتمد عليهم لإفهامِنا ما نريد فهمَه
مشغولون بالتقاتل على فتات المال، أو فتات الاعتراف أو حتى [القوة] فلان يريد أن
يكون رئيس تحرير لأن هذا المنصب سوف يفتح له القدرة على أن يعلي من شأن نمطٍ دون
آخر، والدولة تحاول جاهدة ملاحقة هذا التشتت بتشتيتِه زيادة بمؤسسات مقسَّمة إلى
أنواع وأشكال وفئات. نعم الدولة ليست غبية ولن تجلب على نفسِها صداعاً.
&&&
اللعنة، ثمة فكرة أخرى الآن تَنْقَعُ
في الرأس وتجعلني غير قادرٍ على تتبعها بسهولة. سأعود إلى السلوك الواحدي، وهؤلاء
جماعتُنا الحلوين من الكتاب والأدباء وغيرهم يحلو لهم تأطير من يشاؤون دون رقيب أو
حسب، ودون خجل أحياناً.
ومهما حاولتَ أيها الناقد فيهم فإنَّهم سوفَ
تأخذه العزة بالإثم، وإن كان النصح في حقيقته فعلا إنسانيا نبيلا كما أتصور،
فإنَّه شبه مستحيل مع بعض العُمانيين الذين أصبحوا فعلاً كائنات غير قابلة للتغير،
كائن ينام ويصحو وهو يشعر أن هذه البلاد وهذا العالم على خطأ لأنَّه لم يمنحه
القوة التي يريدُها، صدقني يا صديقي العالم يمكنه تماما أن يعيش بدونِك .
&&&
ختاماً صديقي سعيد، وآخرون من
المعلقين.
أشكركم جزيل الشكر على تكبدكم عناء
التعليق على هذه التداعيات. ثمة أشياء تكبر الآن وثمة أشياء تختفي، فقط أريد أن
أفهم لماذا؟ لماذا؟ هذا التأزم وهذه الحرارة والحرقة في كتاب عُمان؟ لماذا هم
مصرون على تأطير بعضهم البعض وإسقاط بعضهم البعض؟ هل هذه حالة عربية؟ حالة عالمية؟
حالة كونية؟ حالة تاريخية؟ حالة مؤقتة؟ حالة اقتصادية؟ ما الذي يجعلُ كثيرين
[مؤثرين سلبا وإيجابا] غير قادرين على النوم هانئين دون وضع شخص يكتب كعزاء
لنفسِه، أو كشخص يريد أن يفهم، أو كشخص يريد أن يوصل رسالة لإنسان آخر، ما الذي
يجعلُ كل هؤلاء واقعين في هذا الأسر [ضرورة التأطير] وضرورة اتخاذ قائد للقطيع؟
صدقوني حاولتُ جاهدا فهمَ هذا الأمر وعجزت.
ثمَّة شيء ما مختبئ هُنا، شيء يقول لك [انفذ
بجلدك حتى يموت هؤلاء] أو تتوقف أفكارهم عن التأثير والسريان وتحويل ماء عُمان
الجاري إلى ماءٍ آسن محزن مشحون بالبغضاء والكراهية، أو شيء يقولُ لك [ثمة قتل
واعٍ للأفكار ومصادرة لها] مصادرة لازمة ومهمَّة لصون النفوس والنفس، وما دام
المجتمع لا يفعل شيئا حيالَها فإنَّ بناء سورٍ كبيرٍ والاكتفاء ببيت صغير في
ناحيةٍ بعيدة من العاصمة مع زوجة ودود يكفي للنظر إلى المستقبل بأملٍ كبيرٍ أنَّ
كلَّ شيء سيكون بخير، ما دام العُمانيون لم يغيروا ما بأنفسهم. نعم يا صديقي سعيد،
الكلمات التي لا يفهمها البسطاء لا تستحق العيش، ولكن العُمانيون ليسوا بسطاء
أبداً، هم وراء بيوتِهم محصنة الأسوار يمررون هويتَه [أو ما تبقى منها] وأفكارهم
[قبل تشويهها أو بعد] إلى عُمانيين صغار سوف يكونوا غداً الحامل المسؤول عن عُمان
بعدما ينفضُّ النفط ويموتُ الواحدون الكِبار بيد ربِّ العالمين، بعدَ كلِّ هذا
صدقني يا سعيد لن يبقى شيء ذو بال سوى هذا الأمل الذي يكبر ويتعاظمُ أمام أعيننا.
وعمان
من وراء القصد
يااه أشعر أنني متعب للغاية، يجب أن
أشربَ بعض القهوة الآن وأنسى أنني كتبت كل هذا الكلام الطويل، مرة أخرى شكراً سعيد
الريامي . شكراً جزيلاً

7 التعليقات:
سلام الله .أخي معاوية .
كل الآراء في الدُنيا متباينة .
الإختلاف يولد أفق أوسع للمعرفة وللحوار والكتابة أيضا .
دعهم يكتبون ويصرخون ،
دعهم يلتقطون الصور من حولهم ،
وأعطهم مدة كافية للتحميض .
الشباب في مرحلة بناء فكر ،
او مرحلة بناء وعي .
ومراحل البناء تطول ،
وتناقش الزوايا وتعيد التخطيط والهدم والبناء مُجددا.
من وجهة نظري .
ليس هُناك كاتب جيد وكاتب سيء .
إنما هُناك أذواق تُحدد ذلك .
قد يروق لي سيف الرحبي ،
وقد يروق لي أكثر كاتب مبتدئ لم يجد وسيلة لإيصال فكره
سوى المنتديات .
ولولا إختلاف الأذواق ، لبارت السلع في الأسواق.
شكرا لهذه الزاوية يا معاوية .
ودام وعيك .
تبقى محاوله الفهم أفضل من عدم الفهم ع الاطلاق
انا مع المحاوله و التجربه في اي شيئ ,
كل الاعمال العظيمه ما كانت سوى محاولات يوما ما !!!
حتى الاحلام ما هي سوى محاولات للنهوض وتربيه امل جديد
يعني
ان لم نحاول ونجرب ونحلم الان ونحن فن سن الحلم والجنون فمتى سنحاولّّ!
احلموا , جربوا, وحاولوا
(شكلي هلوست واجد)
طابت مساءاتكم بالمحاولات
عزيزي معاوية
هل ثمة مخرج ؟ لقد سئمنا بصدق من ترهات الملاحق الثقافية العمانية و السجالات المجانية التي اغرقت ما تبقى من صدق وقيمة . ما سر هيمنة كل هذا الافلاس في رأي حضرتك فهذا الغثيان يجتاح كل شيىء حتى الفساد عندنا صار لا يغري بالاستفزاز كل شىء يبدو وكأنه مطلي بدهان رديء يتساقط من سقف الحياه على انفسنا و قهوتنا و ضحكتنا و بكائنا في اخر الليل بحثا عن شيىء ما لم يعد يتضح ما هو بالضبط . مالذي يجعل الحياة في عمان تنسل من بين يديك خلسة و الاخطر مالذي ارتطم بالمعنى حيث يتآكل المشهد العماني و ينآى كفلم فانتازي لا تعرف من هو البطل او الضحية او المخرج اللعنة اشعر اني ابحلق في جدارية حزينة اسمها عمان
عفوا أخي العزيز ..
ما أشد تزاحم الأفكار في رأسك يا معاوية !
قراءة مدونتك أمر ممتع لكنه مجهد . لا ألوم المتذمرين . أتساءل أحيانا كيف تستطيع النوم وهذه الأفكار تموج في رأسك كما الحمم في جوف بركان .
أصر على أن "ثقافة القطيع" التي تكرس تغييب إبداع الفرد هي أس الداء . وقد تفاقم هذا الداء لدرجةعدم إحساس المبدعين أنفسهم بإبداعهم ، فكيف برجل الشارع البسيط . لقد فقدنا القدرة على الإسهام منفردين . لا بد أن نكون ضمن قطيع يقودنا "فحل" .
السبب : يحتاج لبحث مطول . لكن لا ضير أن نعود إلى أيام ميمون بن قيس (الأعشى) لنسمعه يردد :
إني امرؤ من عصبة قيسية....شم الأنوف غرانق أحشاد
أو لبيد بن رببيعة ينشد :
فلا وأبيك ما حي كحيي .... لجار حل فيهم أو عديم
أو الفرزدق يمن على قومه :
أروني من يقوم لكم مقامي ..إذا ماالأمر جل عن الخطاب
إلى من تفزعون إذا حثوتم ..بأيديكم علي من التراب
سعيد الريامي أهلا بك ..
آسف بشدة أن أجهدك، أنا أجد صعوبة في وضع ما يدور في رأسي في قالب لغوي متعارف عليه، لذلك أجهد بشدة في إيصال ما في رأسي للناس.
" لا بدَّ من قطيع ،، يقودنا فحل ""
يا إلهي .. ماذا لو كنَّا كذلك بالفعل .. أعني حتى أنا وأنت وكل من يحسب نفسَه خارج الإطار ..
هو في قطيعٍ خارج الإطار يقوده فحل اخرجه من الإطار ..
المسألة تبدو مخيفة جداً ..
أشكرك على ما قدحتَ ..
إن لم تكون مدوِِّنا لم لا تضرب بيدك على جوجل وتخرج لك مدوَّنة تسجِّل فيها كلامَك الجَميل هذا .. شخصياً أنا سأتابعها وأروج لها كثيرا وسأريد أن يقرأه الكل ..
فكِّر جدياً في الأمر ..
أخي معاوية
التدوين التزام وأنا أخشى ألا ألتزم ولا أنتظم بسبب مشاغلي الكثيرة . لكنها فكرة تراودني باستمرار . أنا في إجازة قصيرة هذه الأيام مما يتيح لي بعض الوقت للإطلاع على المدونات والاستمتاع بقراءة مدونتك خاصة . أقدر ثقتك .
أفااااااااااااااا .. بعد كل هذا الكلام الجَميل تقع في هذا الخطأ المفهومي .. لا لا لا يا مستر سعيد مش كده ..
التدوين يا صديقي ما يحتاج التزام ولا انتظام، يمكنك بين الفترة والأخرى أن تلقي في المدونة ما يغشر رأسك من أفكار، وتفكر بخط مقروء تدويناً .. سيدهشك كم سيتفاعل معك أناس، وكم ستكتشف أن فكرةً ما يمكنها أن تنمو وتتطور بسبب هذا التفاعل ..
هي ليست دعوة للنشر، وإنما أدعوك إلى خوض تجربة جديدة ..
أشكرك على اعتبار مدونتي المزعجة من المدونات التي تطلع عليها
إن كنت بحاجة لمساعدة تقنيا .. ممم أنا رقبي سدادة ..
إرسال تعليق