توهُّهم الفهم ...
رسالة: إليك...
على المرء أن يختبرَ أفكارَها دائما،
أعني عليه أن يفعلَ ذلك بعرضِها على عقولٍ أخرى يفترضُ فيها القدرة على فهمِها
أولا، وعلى اختبارِها من جانبٍ آخر بعرضِها بدورِهما على أدمغتِهم وتحليلِها. يبدو
الأمر سهلا ودافعا لاستسهال المسألة حتى يتعرَّض المرء إلى لقاءٍ عميقٍ مع آخرين،
هُناك يدركُ كم يمكن للعقل أن يخلقَ حالات نفسية من الفهم الواهم بينما في الحقيقة
هذا الفهم منطلق من مرتكزات غير حقيقية، غير منطبقة بالضرورة على الواقع أو على البيئة
التي تتفاعل معَها الأفكار.
&&&
القَلب هو المصيبة:
أشياء مثل [الانتقال لمكانٍ جديد ــ
التعرف على بيئة جديدة ــ البدء في نظام حياتي مختلف أحسن من الذي سبقه ــ
التعرُّض لقراءات جديدة] كلُّها تولَّد تلك الحَماسة القابلة للاشتعال والانفجار،
الحَماسة التي تخاطب الذاتَ الفوقية بأنَّك [تفهم كلَّ شيء] أو أنَّك تمتلك وسيلة
ومنهجَ يمكِّنك من فهمِ العالم، بينما لو انفصلتَ عن نفسكَ أدركتَ كم أنت واهمٌ
بذلك، أنت في حقيقة الأمر [مؤطَّر ــ مؤدلج] بشكلٍ لا يختلفُ عن الآخرين، الآخرين
الذين تحسبُ أنَّك فوقَهم لأنك امتلكت ناصيةَ فكرة غير كاملة، أو منهجٍ [أو ما
يشبه منظومة الأفكار الجديدة] غير كامل، كلُّ ما في الأمر أنَّ تريد نفسياً أن
يتحقق لك الشعور بالتفوُّق والواحدية أو الرؤية الكلية، لا لشيء وإنما لسببٍ تافهٍ
للغاية.
أنت تعوِّض عن إخفاقات سابقة بمقارباتك
اللامنتهية، ومهما هربتَ من هذه الحقيقة فهي تلاحقك بمختلفِ الأشكال، بدءا من
ثورتِك على الأشكال، أو على المضامين أو على الآخرين الذين هم أيضا يفكِّرون
ويريدون الفهم.
&&&
البحث عن
القوَّة:
القوةُ الآن في الفهم، والفهم لا يتأتى
بسهولةٍ بالغةٍ كما يتوقَّع البعض. كما تقول الجُملة الشهيرة [إن كان أمامك طريقين
ألأول سهل وقصير والآخر صعب وطويل، فأيقن أن الأصح هو الأخير] لا أتذكر الجملة
بالتحديد، ولكنني فهمتُ أنَّ الطريق الصعب هو الطريق الصحيح، كم تبدو كلمة [صحيح
خارج السياق الآن].
مرَّة أخرى. المرء الذي يريد أن يفهمَ
عليه التحلي بعدة صفات، أهمها أن ينزع الذاتية من نفسِه نزعاً تامَّا.
أن يموتَ إلى نفسِه، أن يحاولَ التجرَّد من
الرغبات الدنيوية العادية متعاملاً معَها، وفاهماً إيَّاها. أعني أنا أفترضُ ذلك
كوني جديد جدا على محاولةِ الفهم. فهمُ محاولةِ الفهمِ مهمٌّ أيضا وإن كان ثمة
احتمال منطقي أن يكون خادعاً إلّا أنَّه مطمئن. أعني ما أقولُه الآن واضح ومفهوم
أليس كذلك؟؟
القوة في الفهم، لم تعد القوة في الجسم
أو في التبعيَّة العددية، يعني في عدد الأتباع ولكنني أحب هذه المصادر الصناعية
[أم هي نسبة؟؟؟ نسيت الآن دروس نحو الثانوية] لم تعد كذلك في خلق وهمٍ عميم يخافُ
العامَّة الخروج عنه، وإنما في فهمِ ما يدور،ولكي تفهم ما يدور عليك التحلي بصفات
الفاهمين، التي هي ــ كما أتوقَّع ــ لا تختلفُ عن صفات المتصوفة إنما أكثر
واقعية. أن تحاول حشر نفسِك في زمرة الفاهمين فعلاً أصعب بمراحل من إعلانِ ذلك
وإقناع الآخرين به. عليكَ أن تتنازلُ عن رغباتٍ كثيرةٍ لأنَّه تعيقك، أو بالأحرى
تعيقُ اختراقَك الواعي للدوائر الاجتماعي المحيطة بك، كذلك عليكَ أن تكون مستعداً
للفشل، وعليك أن تتخذ مقاربة جانبية تطوِّرها ببطء وبهدوء فلا يمكن الوثوق بك إن
كنتَ لا زلت تحت الثلاثين وبلا شهادة جامعية حتى هذه اللحظة فضلا عن كونِك غير
متزوِّج ولم تخض نهايات حتمية مثل الزواج أو الأبوَّة [الأمومة في حالات أخرى]
فإنَّ احتمالا معقولاً أن فهمَك متأثر بشدَّة برغباتِك، وبرغباتِك في الوسائل
الموصلِة إلى هذه الرغبات، بعبارة [حوْساء] للغاية [باعتبارك الوسائل الموصلة إلى
غاياتِك غايات مؤقتَّاً] كم تبدو الجملة معقَّدة للغاية وسهلة المَعنى كما آمل.
إنَّك وأنتَ تحت الثلاثين ولا زلتَ صغيراً لم ترَ خارجَ عُمان، ولم ترَ شيئا
مختلفا جداً. ولم تتعرَّض لأفكار متعارضة أو خطابات أشدُّ وطأة من خطبِ الجُمعة
المحددة سلفاً في أدراج وزارة الأوقاف، فإنَّك تتوهَّمُ أنكَ [فهمتَ ــ إن قلتَ
ذلك] أنت واهم يا صديقي. يمكنُك أن تقول [وهمي هو] والتوقُّف، أو تلطيف العِبارة
بقولِك [أنطلقُ من فكرة مفادُها] أما قولُك أن فهماً أزليا نهائيا سيخرجُ منك وأنتَ
في هذا الحال المزري معرفياً كما يقول العارفون الكِبار، فذلك يا صديقي توهُّم
كبير وعليك أن تحذرَه.
&&&
مُتْلِفات الفهم:
تمتازُ متلفات الفهم بالوضوح التام،
فهي مفهومةٌ تماماً والدافعِ لخوضِها غير مفهومٍ تماماً. أهمُّ متلفات الفهم هي
النفس باللغة القَديمة، الجسد كما يقولون الآن، الجسد حامل العقل يتلف الجسد فيتلف
العَقل ولم يحدث أن رأينا ميِّتا يريد أن يفهم !!! هي أهمُّ متلفات الفهم، ومع
الجسد وتلفِه الكلي يكون التلف جزئياً، فالحفاظ على الجسد صحيحا ومتماسكاً يضاعف
احتمالات الفهم، الجسد الصحيح [فكرة] يمكن فهمَها وكذلك الجسد العَليل ولا أحسب
أنَّك تريد أن تكون عليلاً. عليكَ إن كنتَ قد نويتَ ذلك أن تكون قاسياً وشديداً،
أن توهمَ الآخرين أنَّك تفعلُ ذلك من أجلهم، أعني الآخرون يحلو لهم أن يروكَ مثلا
لا تدخِّن أو تترك الكحول لأنَّك فعلتَ ذلك من أجلهم، تلك كما يبدو خصلة بشرية
مزعجة للغاية، عليك أنتَ ــ مهما كذبتَ
عليهم ــ أو مهما قلتَ لهم ما يريدون سماعَه أن تضعَ في اعتبارِك أنك تريد
أن تفهم، وما دمتَ تريد أن تفهمَ فعليك الابتعاد عن متْلِفات الفهم.
ومُتلفات الفهم كثيرة جداً، وهي التي تعيقك عن
ممارسة دورك الطبيعي في البيئة التي تريد فهمَها، المجتمع العُماني أو حتى أهلُ
ولايتِك حتى لا تضع أهدافاً أكبرَ من عمرِك. متْلفات الفهم ألا تكون مستقراً وأن
تحاول السيطرة على طاقة القلق التي تحيط بك، كلُّ شيء عليه أن يخضع من أجل هذه
المهمَّة التي تراها أنت كبيرة، فأنت لست كبيراً ومهمتُك الكبيرة تجعلك كبيراً
أمام نفسك على الأقل. أنتَ تريد أن تفهمَ وينقصك الكثير، وعليك أن تقاتل نفسَك ــ
ومن تحبها أيضا ــ لكي تفهمَ ما يحدث وما سيحدث لك. أعني أنت تعرفُ جيدا أنَّك لن
تعرفَ أن نيزكا سيسقط على السدِّ القريب من بيتك ويقتلكُ وأنت نائم، ولكنَّك تدركُ
أنَّ احتمال إصابتك بشلل رباعيِّ يكبرُ إن كانت لديك سيارة يابانية وتسرعُ بطريقة
مجنونة في شارع عدد الحوادث فيه يتجاوز العشرين أسبوعياً، أنتَ تعرفُ هذا الاحتمال
وتتجاهلُه من باب [يحدث للغير] وإن كنت تريد أن تلحقَ نفسَك بمن يفهمون عليكَ أن
تسيطرَ على هذه الرغبات الجنونية، الذين يريدون الفهمَ ويطلبونَه يسيطرون على
أنفسِهم لأنَّ عليهم البقاء فوق لعبتِهم كما يقول الأمريكان. وأن تبقى فوق لعبتِك
يعني أن تجابِه تلك الرغبات الصغيرة، مثل الرغبةِ في الذهاب إلى حانةٍ، أو الرغبة
في النوم ساعاتٍ طويلةٍ أو الرغبة في مضاجعة امرأة لا تعرفُها، ذلك لا يمكنك فعلَه
ما دمت أخضعتَ عقلَك لعملية الفهمِ التي تراها، عليك فهمَ ما تشعر به، فهمَه تماما
ولذلك عليك أن تخضعَ نفسَك للفكرة.
&&&
أن تكون عاشقاً:
إن كان عقلُك كما اكتشفتَ مؤخراً، أو
كما أوهمَك أحدهم مؤخرا [وللقضية وجهان] فلا محيد أن تتخذ من الوضوح هدفاً وغايةً
ووسيلةً لتحلَّ شأنَك العاطفي القائم في حقيقتِه على فكرة تدرك جيَّدا أنك ستخضعُ
لها ذاتَ يوم. أعني مهما اعتقدتَ أنَّك ستكون مختلفاً لن تتغلبَ حزمة مشاعرِك
المُراهقة على برمجةٍ بُرمجتَ إياها لسنين طَويلة، لا تقاوم المحتوم، الحتميُّ
أنَّك ستصبح ذات يوم زوجاً وأباً وربَّ أسره، وإن كنت وجدت اختيارَك المُناسب
عَملياً فلتحرص أن تحافظَ عليه، وألا تدعَ هرموناتِك القلقة تفسد كلَّ شيء.
ستقول الآن عليك أن تصمتَ فأنت لا تحبُّ أن
أحدّثك في هذا الأمر هُنا وربما تقولُ ثمُّة ذاكراتٍ أخرى لها أماكنُ أخرى يفهمُها
من هو مقصودٌ بها ولكَ ومعَك أن معَك حق ولا بأس ستفهمُ عاجلا أم آجلاً ما دمتَ قد
دخلتَ هذا اللافهم من فهمٍ معيَّنٍ.
&&&
ما دمتَ تُريدُ أن تفهمَ:
ما دمتَ تُريد أن تفهمَ عليكَ ألا
تخلطَ ما تُريد بما يمكنُ. أعني القدماء تحدثوا عن الزهد لحكمة وأنت عليك أن تزهد
في الزهدِ نفسِه ما دمتُ مطمئنا إلى أين يسيرُ عُمرك. قد يقول قائل لك أنَّ مكوثَك
هُنا مؤقتٌ وقد يقولُ آخر أنه أزلي، اتركهما واسعَ إلى حفرِ المساحة الخاصَّة بكَ
في الصخر بعدما كنتُ تتقلب يمنة ويسرة بحثا عن النقطة الأولى التي تغرسُ فيها
الأزميل الصغير، ها أنتَ تطرقُ الطرقةَ الأولى، ويدُك تؤلمُك وعليك أن تبقي نفسَك
بخير لكي تسيرَ في الطَريق حتى نهايتِه، هذا واحتمالُ أن تُنهيك جلطة صغيرة ــ أو ربما سيارة طائشة كما يخافُ صاحبك اللدود ــ قائمٌ
كما هو احتمالُ أن ينهيك نيزك طائش، ابنِ ما في استطاعتك على ضوء الممكن ودع عنك
الأحلام الكَبيرة، ما من حلمٍ كبيرٍ تحقق لأنَّ صاحبَه أرادَه، كلُّهم وجدوا أجمل
أحلامِهم وهم يسعون إلى شيء آخر، حلمٍ أصغر أو أكبر.

0 التعليقات:
إرسال تعليق