وداعية دارسيت [2]
لا أعرف بمَ أشعر هذه اللحظة، بصدق،
أعني تمرُّ بي عدة مشاعر متضاربة والأمر لا يتجاوز خروجي من غرفة سكنتُ فيها سنتين
إلى مكانٍ آخر لم أرَه حتى هذه اللحظة. منزعج بشدة من الأمر، ومن أنانيةِ البشر،
البشر الذين يقررون بين ليلة وضحاها إخراج بشر آخرين لأنَّ [مصلحتهم] تقتضي ذلك.
كان يمكنُ أن [أسأَلَ] على الأقل، شكلياً يبدو الأمر وكأنَّه [يُطلبُ] منِّي ذلك،
ولكن لا. في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان بين خيارين، بين مصلحته الخاصَّة، وبين
آخرين لا ذنبَ لهم فإنَّ توافه الأمور مثلَ [الصداقة ــ أخلاقيات السكن ــ الجيرة]
تسقطُ تماماً.
كما قلتُ لكم يمكنُ للمرء دائماً أن يقدِّرَ ظرفَ
أخيه، ولكن الأمر يختلف. يختلفَ أن آتيك وأقولُ لكَ [اخرجُ من بيتِك خلال أسبوعين]
أو [انسف استقرارَك خلال أسبوعين] من [إنني في حاجة لذلك ماذا تقول؟] النتيجة
ستكون واحدة، يسقط العازبون فهم كلاب مسقط الجديدة، مسقط التي تطردُ الجَميع من
مساكنِهم ومسقط التي يفترسُ فيها الصديق صديقَه من أجل غرفةٍ أو شقَّةٍ والأعذار
واهيةٌ وسخيفة للغاية.
&&&
لا تعنيكم الحكاية، وهذه يومياتي التي
لا أقول فيها كل شيء. أشعر أنني محطم للغاية ومشتت غير قادر على الثقة، الثقة
بالأصدقاء أو من حسبتهم ذلك أو الثقة بالبشر.
أعني يستحيل أبداً أن أقولَ لإنسانٍ ما [اخرج]
من شقتنا لأنني أريد تحويل المكان إلى سكنٍ عائلي مهما كانت حاجتي لن أقول له
أخرج. سأطلب منه ذلك ولعلي سأحزن لأنَّه سيوافق فلا أحد يقول لا للعائلة، الكل
معذور عندما يتعلق المرء بعائلته. قد يقول لك قانوني: ولكن القانون يسمح بذلك؟ نعم
القانون يسمح بذلك، أيضا يسمح لك أن تطرد أخاك من منزلك وتجلب له الشرطة، أيضا
القانون يسمح لك أن تجلب الشرطة على أمِّك لأنَّها تضرب أبناءك، القانون يسمح
بالكثير.
لو كانت مصلحتي تقتضي ذلك لن أفعلها
هكذا. وإن جئتُ أفعلها سأكون على الأقل [مراعياً] سأسألُ، سأقولُ: هل يمكنك، حتى
لو كنت أعرف أنه يمكنني [قسر وإجبار ذلك الآخر] على الخروج، سوف أمثِّل، سوف أطلبه
كمعروف، لا أفعلُها كما يفعلها الغرباء في عاصمةٍ أضحت تطرد البشر، لست أدري بصدق،
من المخطئ هُنا، أعرفُ أن هذه المدينة تتحول إلى عاهرةٍ مع الوقت، عاهرةٍ تبحثُ عن
الأكثر ثراء والأكثر استعداداً لبيعِ ما تبقى مما يسمى إنسانيةً.
&&&
اللعنة لن أستطيع الشفاء من هذا الأمر
مهما مرَّ الزمان. هذه مسقط الجديدة، مسقط القتال على أمتارٍ مربعة، ومسقط خسارة
الأصدقاء على مصالحٍ تافهة، هذه هي مسقط. التي تصبح يوماً بعدَ يوم مدينةً
للأثرياء، ولأصحاب الشركات، سوء التخطيط الحكومي الذي لا يلقى بالا للوضع
الاجتماعي ولحاجة السكان لمكانٍ يسكنون فيه، هذه عُمان التي يضرب المثل ببشرها
أصبحت هكذا.
&&&
15 عشر رفَّ كتب، في كلِّ رفٍ مائة
كتاب تقريباً، ما يمكنه أن يكون مكتبةً شخصية رائعة. هكذا يرى المرء استقرارَه وهي
المرة الثالثة التي تضيق فيها مسقطُ به، مرتان لأنَّ مؤجرا قذراً أرادَ زيادة
الإيجار، وثالثة لأنَّ ... لست أدري، ماذا عساي أن أقول، أصبحت كلمة [شقَّة] كلمة
مستحيلة، وبسببها تتأجل زيجات، ويقرر أناس الهجرة والهرب، الوحيدون الذين يأتون
ويزاحمون العُماني هم الهنود، هم أرباب العَمل الذين يجلبونَ ويجلبون ويدفعون، هم
أصحاب العِمارات الذين يطلبون ويطلبون ويطلبون، وماذا نقول؟؟ ماذا عسانا نقول؟؟؟
&&&
شاءت الصدف أن ينتهي هذا الشتات، وأنا
أعرف إلى أين ذاهب، أعني أعرف مع من سوف أنتهي ومع من سوف أقضي بقية العُمر. ذلك
عزائي الوحيد، وأعرف أنني لو كنت قد نويتُ الاستمرار في العزوبة لكنتُ قد [غشرت]
الدنيا. الآن كل شيء مؤقت بالنسبة لي وهذه الفكرة الوحيدة التي تحاصرين، [هي] أنني
بعدَ ثلاث سنين سأكون معَها. لن أحتاج إلى غرفةٍ من أحدهم يستأجر شقَّة كاملة
وإنما سوف أؤثث جنَّتي بنفسي، وإحداهن قبلتُها وقبَلتْني سوف تكون معي، يبدو ذلك
اليوم بعيداً ومع ذلك كلُّ شيء الآن يبدو مؤقتا.
&&&
كلُّ شيء سيعود إلى سمائل دون أن يعود
الابن الناشب الضالُّ. كل شيء، يعودُ إلى سمائل، هُنا بقايا الثياب وجهاز حاسب آلي
وبعض كريمات الشعر وأمواس الحلاقة التي يحلق بها المرء جسمَه. بعض البرلكريم
والكثير من الفازلين، وثلاثة أعواد والكثير من النوتات الموسيقية. أعني يحقُّ لي
أن أشعر بالشتات، يحقُّ لي أن أشعرَ بالتشرد، ويحقُّ لي أن أخططَ لمصيبة كبيرة،
ففي النهاية المصائب الكبيرة لا تخرجُ إلا من شتاتٍ كهذا. من الأنسبِ لي أن أهربَ
لأدرسَ في مكانٍ ما، ربما سأصبح أول إرهابي يفجّر نفسَه في مكتب عقارات بسبب غلاء
الإيجارات، هل سيجرؤ صاحب بناية على رفع الإيجار بعدما يقوم سمائلي مجنون بتفكير
نفسِه بسبب ذلك؟؟ مم قد تكون تضحية يستحقها الشعب. اللعنة أشعر بالقرف الآن.
&&&
جلبتُ مجموعة من الهنود، ورأيتهم
يحملون ذاكرتي وما تبقى من استقرار، ومع ضخامة الشاحنة بدا لي أنَّها لن تستطيع
استيعابَ كلِّ ذلك. لا أستطيع الشعور بالحزن، كل ذلك يبدو مؤقتا، أعني آن الأوان،
آن أوان الرحيل عن دارسيت وإنهاء هذه العزلة اللعينة. سأسكن في الحيل، وسيكون بيني
وبين عملي ساعة بالسيارة، أعني سأسمع الكثير من الموسيقى، وسأسمع الكثير الكثير من
الغناء، وسوف أخرجُ كثيراً لأنني من الآن فصاعدا لن أؤسس ممالك أخرى في مسقط. بدءا
من شقة الحرية في الخوض، إلى شقة الشقاء في السيب، إلى قصر الملكوت في دراسيت 1،
إلى غرفة طينية في سداب بعد جونو، إلى الحرم المقدس هذا. انتهت ممالك مسقط ولن
تكون هناك مملكة جديدة. شاءَ قضاء مسقط وقدرِها أن تكون اللعبة بهذه السماجة وبهذه
القذارة. وما باليد حيلة، وما بالسوق شقق، واللعنة على كل أصحاب العِمارات في
الأرض.
&&&
سأفتقد دارسيت بجنون، أعني سأجنُّ
بالفعل، ولكن كان ينبغي ذلك منذ زمنٍ طويل. ماذا عساي أن أفعل هُناك؟ ممم ربما
أبدأ في ممارسة شيء نسيتُه منذ زمن طويل، شيء اسمه [حياة اجتماعية] ربما. اللعنة
سأفتقد كتبي، وأفلامي، وتلفازي، وثلاجتي، وفراشاي الكبيران، وحامل الأعواد. سأفتقد
ذلك بجنون. حاولت أن أحزن، لم أستطع شيء ما بداخلي يقول لي: كل شيء الآن مؤقت، كل
شيء مؤقت. كل شيء مؤقت لا أكثر، وثمَّة جانب جميل في كلِّ شيء.
في انتظار الشاحنات بلا جنود ..
كيف كانَ كل شيء وعدا بعزوبية رائعة ..
مشهد آخر ..
مشهد آخر ..
بدأت دارسيت تخلع الثياب
ملائكة النقل ..
الهوة تتسع ..
الشارع الجديد في الحرم المقدس ..
حياتك في شاحنة ..
هذا رقم الناقل، شاب ممتاز وأمين وعماني يمكنك الاستفادة من خدماته
اسمه ياسر الرواحي من سمائل .. رقمه 99662264
الثلاجة ..
أعواد الأصدقاء ..
بقايا عزوبية هانئة ..
شكله خطأ ..
الآن يمكنني أن أقول هذا حرم مقدس ..
كانت هنا ثلاجة .. وهي صندوق بارد ..
كانت هنا كتب ..
كان هنا فراش .. وكانت هنا حياة مستقرة ..






























